محمد جواد مغنية

88

في ظلال الصحيفة السجادية

والمراد بالروحانيين هنا الملائكة الّذين هم أعلم باللّه من غيرهم ( وأهل الزّلفة ) المنزلة القريبة عند اللّه ( وحمّال الغيب إلى رسلك ؛ والمؤمنين على وحيك ) اقتباس من الآية : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا « 1 » وتقدّم قبل لحظة ( وقبائل الملائكة الّذين اختصصتهم لنفسك ) قربتهم منك ، وأوكّلت إليهم المهمّات ( وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك ) في إحدى خطب النّهج : « من ملائكة أسكنتهم سمواتك ، ورفعتهم عن أرضك » « 2 » . وفي ثانية « وليس في أطباق السّماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد » « 3 » أي خفيف سريع . وإن قال قائل : لقد صعد الإنسان إلى القمر ، وطاف آفاق السّماء بالطائرة ، وسفينة الفضاء ، وما رأى ملكا ساجدا ، أو ساعيا . قلنا في جوابه : لقد أقر العلم القديم ، والحديث وجود العديد من كائنات لا تقع تحت الحواس وعليه فليس من الضّروري لنؤمن بشيء أن نراه رأي العين ، بل قد نؤمن إيمانا صادقا بما لا تراه الأعين ، وقد لا نؤمن بما تراه العين إحتراسا من خداع الحواس . هذا إلى أنّ الّذي يخلق الشّيء من لا شيء قادر على أن يخلق أشياء لا ترى بالبصر ، بل ولا بالبصيرة ، أيضا ، ونحن المسلمين نؤمن ، ونوقن بأنّ ما من إنسان مكلف إلا وعلى يمينه ، ويساره ملكين يسجلان كلّ ما يقول ، ويفعل ، والمصدر الوحيد لإيماننا هذا ، الوحي ، ومنه قوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ « 4 » .

--> ( 1 ) الحج : 75 . ( 2 ) نهج البلاغة : 1 / 210 ، خطبة ( 109 ) ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 7 / 200 . ( 3 ) انظر ، نهج البلاغة : 1 / 173 ، خطبة ( 91 ) ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : 6 / 425 . ( 4 ) الأنفطار : 12 .